فصل: تفسير الآية رقم (12):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.تفسير الآية رقم (12):

قوله تعالى: {الله الّذِي خلق سبْع سماواتٍ ومِن الْأرْضِ مِثْلهُنّ يتنزّلُ الْأمْرُ بيْنهُنّ لِتعْلمُوا أنّ الله على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ وأنّ الله قدْ أحاط بِكُلِّ شيْءٍ عِلْما (12)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما تقدم أن فائدة الذكر النقل من خلق إلى خلق، وكان من المعلوم أن تحويل جبل من مكانه أيسر من تحويل شخص عن خلقه وشأنه، وتقدم أن أجر المجاهدة في ذلك الجنات الموصوفة، وكان ذلك يحتاج إلى قدرة تامة، دل على قدرته سبحانه عليه بقوله: {الله} أي الذي له جميع صفات الكمال التي القدرة الشاملة إحداها، ثم أخبر عنه بما يدل على ذلك لأن الصنعة تدل على الصانع وعلى ما له من الصفات فقال: {الذي خلق} أي أوجد وحده من العدم بقدرته على وفق ما دبر بعلمه على هذا المنوال البديع القريب {سبع سماوات} أي وإنهم يشاهدون عظمة ذلك ويشهدون أنه لا يقدر عليه إلا تام العلم كامل القدرة، ثم زاد على ذلك ما أنتم أعرف به فقال: {ومن الأرض مثلهن} أي سبعا كما دل عليه حديث سعيد بن زيد وعبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- في الصحيحين «من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين» ولفظ ابن عمر- رضى الله عنهما ـ: خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين، وقد تقدم في سورة السجدة ما ينفع في ذلك، وظاهره يدل على أنها كما هي مثلها في العدد فهي مثلها في الكرية وإحاطة كل واحدة منها بالتي تحتها، وأن التي نحن عليها هي السابعة العليا كالسماء السابعة التي سقفها الكرسي لأن ذلك أدل على ما السياق له من تمام العلم وشمول القدرة في الاستدلال عليه بقوله: {يتنزل} أي بالتدريج {الأمر} أي الذي يجود به الرحمن من التدبير من أمر الدين والتكوين من العرش والكرسي {بينهن} بالوحي من السماء السابعة العليا إلى الأرض السابعة السفلى وأنتم ترونهن بلا فروج فأنفذ بينهن حتى نفذ فيهن، وذلك- والله أعلم- هو ما يريد من عظيم تدبيره بإنزال الكتب وإرسال الرسل وإثبات شريعة ومحو أخرى وتوجيه الأسباب إلى المسببات من المطر والنبات والليل والنهار والفصول وخلق الحيوانات والمعادن وسائر النباتات، وترديد الملائكة بسائر المصنوعات، هذا ما دل عليه ظواهر الكتاب والسنة، وأولها بعضهم بأنها سبعة أقاليم، وهو مردود بعد القاعدة في أن التأويل بغير دليل لعب بما يأتي من صريح الحديث النبوي والكلام الضابط فيما يؤول وما لا يؤول أن النقليات أربعة أقسام: قطعي السند والدلالة، ظنيهما، ظني السند قطعي الدلالة، عكسه: قطعي السند ظني الدلالة، فالأول يجب اعتقاد ظاهره، ومن خالفه كفر، والبقية يجب اعتقاد ظواهرها ما لم تعارض، فإن عورضت بقطعي وجب العدول عن الظاهر إجماعا، فمن اعتقده كفر، ثم للناس بعد ذلك مذهبان: أما السلف فيفوضون المراد إلى الله تعالى، وأما الخلف فإن كان لذلك محمل واحد عينوه، وإن كان ثم محامل سردوها ولم يعينوا شيئا منها مع اعترافهم بأنهم ليسوا على قطع من أن المراد شيء مما ذكروه، وإنما هو شيء يليق بالمقام والعلم عند الله وبأن طريق السلف أقرب وأسلم وبأنه ما حملهم على التأويل إلا انتشار المبتدعين وإشهارهم بدعتهم بين الناس، قال الإمام علاء الدين القونوي رحمه الله تعالى في باب السير من شرحه الحاوي: قال الإمام- يعني إمام الحرمين: ولو بقي الناس على ما كانوا عليه من صفوة الإسلام لما أوجبنا التشاغل بعلم الكلام بل ربما نهينا عنه، وأما الآن وقد ثارت البدع فلا سبيل إلى تركها تلتطم أمواجها فلابد من إعداد ما يدعى به إلى المسلك الحق وتحل به الشبه، فصار الاشتغال بأدلة المعقول وحل الشبه من فروض الكفايات، ومن استراب في أصل من أصول الاعتقاد فعليه السعي في إزاحته إلى أن يستقيم عقده- انتهى.
ثم إنك تجد العلماء يختلفون في بعض الأدلة فبعضهم يجريها على الظاهر وبعضهم يؤول، وذلك للاختلاف في المعارض هل هو قطعي الدلالة أم لا، وهذا الموضع منه، لإن ظواهر الكتاب والسنة تدل على أن الأرضين مثل السماوات في العدد في أن بينهما خلاء، وفي أن في كل واحدة مخلوقات لا يعلمها إلا الله، بل بعض الأخبار يكاد يقطع به في ذلك، ولكنه لم يخرج عن أن يكون ظنيا فأكثر العلماء ومحققوهم على أن المعارض- وهو ما قاله أهل علم الهيئة من الأدلة على كونها واحدة- ليس بقطعي، فأولوا كونها سبعة بالأقاليم السبعة، وقد رأيت في التعدد حقيقة حديثا صريحا لكن لا أدري حاله، ذكره ابن برجان في اسمه تعالى الملك من شرحه للأسماء الحسنى قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما تحت هذه الأرض، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ماء، أتدرون ما تحت ذلك، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال هواء، أتدرون ما تحت ذلك: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: أرض، أتدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم- حتى عد سبع أرضين»
ثم رأيته في الترمذي عن أبي رزين العقيلي ولفظه: «هل تدرون ما الذي تحتكم، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها الأرض، ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن تحتها أرضا أخرى بينهما خمسمائة سنة- حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة» ثم رأيت في الفردوس عن ابن مسعود-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بين السماء إلى السماء مسيرة خمسمائة عام، وعرض كل سماء وثخانة كل سماء خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة وبين الكرسي والعرش مثل ذلك، وما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، والأرضون وعرضهن وثخانتهن مثل ذلك».
ولما ذكر سبحانه الصنعة تنبيها على التفكر فيها والاعتبار بها، ذكر أن ثمرتها العلم بصفاته بعد العجز عن إحاطة العلم عقب ذاته تعالى فقال: {لتعلموا} أي بهذا العالم الذي أوجده بتسوية كل واحد من القبيلين سبعا كل واحدة بينها وبين الأخرى مسافة بعيدة مع الكثافة الزائدة وأنتم تعلمون أنه لا يفصل الجسم ولاسيما الكثيف عن آخر مثله إلا فاصل قاهر بقوة باهرة وقدرة ظاهرة وعلم شامل لما يحتاج إليه ذلك، فكيف إذا كان على هذا المنهاج البديع والوجه المنيع على مر الدهور والأحقاب وتعاقب الشهور والأعوام على حساب معلوم ونظام منظوم، لا يدركه إلا أعلى الناس حسابا وأعظمهم صوابا، مع المنافع التي تفضل عن سكانها، والمرافق التي تنزه الخالق بآثارها وأعيانها، وتوقظ الغافل وتنبه الجاهل وتدمغ المعاند ببرهانها، فإنه لا يسع أحدا المنازعة في خلقه لها، ومن خلقها قدر على تدبيرها على الوجه المذكور، ومن كان كذلك كان منزها عن الشريك قطعا، ومن كان كذلك قدر على كل شيء فلذا قال: {أن الله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة كلها {على كل شيء} أي من غير هذا العالم ممكن أن يدخل تحت المشيئة فإنه بمعنى مفعول من عالم آخر مثل هذا العالم، وأبدع منه وأبدع من ذلك الإبداع إلى ما لا نهاية له بالاستدلال بهذا العالم، فإن من قدر على إيجاد ذرة من العدم قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها وفوقها إلى ما لا نهاية له لأنه لا فرق في ذلك بين قليل ولا كثير جليل أو حقير {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} [الملك: 3] وإياك أن تلتفت إلى من قال: إنه ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم، فإنه مذهب فلسفي خبيث، والآية نص على إبطاله وإن نسبه بعض الملحدين إلى الغزالي فإني لا أشك أنه مدسوس عليه فإنه مذهب فلسفي خبيث بشهادة الغزالي كما بينت ذلك في كتابي (تهديم الأركان على من قال ليس في الإمكان أبدع مما كان) وكتابي (دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما كان) وكتابي (إطباق الأغلال في أعناق الضلال) ومع كونه مذهب الفلاسفة أخذه أكفر المارقين ابن عربي وأودعه فصوصه وغير ذلك من كتبه واستند فيه في بعضها إلى الغزالي إتقانا لمكره- أعاذنا الله من شره، والغزالي بريء منه بشهادة ما وجد من عقائده في الإحياء وغيره {قدير} أي بالغ القدرة.
ولما كانت إحاطة العلم دالة على تمام القدرة وإليهما يرجع جميع الأسماء والصفات قال: {قد أحاط} لتمام قدرته {بكل شيء} مطلقا، ولما أسند الإحاطة إليه سبحانه تعظيما لها، بين جهتها بتمييز محول عن الفاعل فقال: {علما} فله الخبرة التامة بما يأمر به من الأحكام في العلم بمصالحه ومفاسده فعاملوه معاملة من يعلم إحاطة علمه فيعلم أنه رقيب عليه فإذا طلقتم فافعلوا ما أمركم به لتسلموا في الدين وتسعدوا في الآخرة والأولى، ودبروا في جميع أموركم مثل ما دبر به أمركم في تربيتكم ومسكنكم أرضه وسقفه فإنه جعل فيه جميع ما تحتاجونه وبسطه نواله على من يرضيه ومن يسخطه ونشر حلمه وفضله وأخر بأسه وعدله فقد عائق أخرها أولها وبين مجملها ومفصلها والله يعلم بذات الصدور. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{الله الّذِي خلق سبْع سماواتٍ ومِن الْأرْضِ مِثْلهُنّ}
قال الكلبي: خلق سبع سموات بعضها فوق بعض مثل القبة، ومن الأرض مثلهن في كونها طباقا متلاصقة كما هو المشهور أن الأرض ثلاث طبقات طبقة أرضية محضة وطبقة طينية، وهي غير محضة، وطبقة منكشفة بعضها في البحر وبعضها في البر وهي المعمورة، ولا بعد في قوله: {ومِن الأرض مِثْلهُنّ} من كونها سبعة أقاليم على حسب سبع سموات، وسبع كواكب فيها وهي السيارة فإن لكل واحد من هذه الكواكب خواص تظهر آثار تلك الخواص في كل إقليم من أقاليم الأرض فتصير سبعة بهذا الاعتبار، فهذه هي الوجوه التي لا يأباها العقل، وما عداها من الوجوه المنقولة عن أهل التفسير فذلك من جملة ما يأباها العقل مثل ما يقال: السموات السبع أولها: موج مكفوف وثانيها: صخر وثالثها: حديد ورابعها: نحاس وخامسها: فضة وسادسها: ذهب وسابعها: ياقوت، وقول من قال: بين كل واحدة منها مسيرة خمسمائة سنة وغلظ كل واحدة منها كذلك، فذلك غير معتبر عند أهل التحقيق، اللهم إلا أن يكون نقل متوتر، ويمكن أن يكون أكثر من ذلك والله أعلم بأنه ما هو وكيف هو.
فقوله: {الله الذي خلق} مبتدأ وخبر، وقرئ {مِثْلهُنّ} بالنصب عطفا على {سبْع سموات} وبالرفع على الإبتداء وخبره {مِّن الأرض}.
وقوله تعالى: {يتنزّلُ الأمر بيْنهُنّ} قال عطاء يريد الوحي بينهن إلى خلقه في كل أرض وفي كل سماء، وقال مقاتل: يعني الوحي من السماء العليا إلى الأرض السفلى، وقال مجاهد: {يتنزّلُ الأمر بيْنهُنّ} بحياة بعض وموت بعض وسلامة هذا وهلاك ذاك مثلا وقال قتادة: في كل سماء من سماواته وأرض من أرضه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه، وقرئ {يُنزّلٍ الأمر بيْنهُنّ} قوله تعالى: {لّتعْلمُواْ أنّ الله على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ} قرئ {لِيعْلمُواْ} بالياء والتاء أي لكي تعلموا إذا تفكرتم في خلق السموات والأرض، وما جرى من التدبير فيها أن من بلغت قدرته هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يكون لغيره كانت قدرته ذاتية لا يعجزه شيء عما أراده وقوله: {إِنّ الله على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ} من قبل ما تقدم ذكره {وأنّ الله قدْ أحاط بِكُلِّ شيْءٍ عِلْما} يعني بكل شيء من الكليات والجزئيات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، عالم بجميع الأشياء وقادر على الإنشاء بعد الإفناء، فتبارك الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {الله الذي خلق سبْع سماواتٍ ومِن الأرض مِثْلهُنّ}
دلّ على كمال قدرته وأنه يقدر على البعث والمحاسبة.
ولا خلاف في السموات أنها سبع بعضها فوق بعض؛ دلّ على ذلك حديث الإسراء وغيره.
ثم قال: {ومِن الأرض مِثْلهُنّ} يعني سبعا.
واختلف فيهنّ على قولين: أحدهما وهو قول الجمهور أنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والسماء، وفي كل أرض سكان من خلق الله.
وقال الضحاك: {ومِن الأرض مِثْلهُنّ} أي سبعا من الأرضين، ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السموات.
والأوّل أصحّ؛ لأن الأخبار دالّة عليه في الترمذي والنسائيّ وغيرهما.
وقد مضى ذلك مبيّنا في (البقرة).
وقد خرّج أبو نعيم قال: حدّثنا محمد بن عليّ بن حُبيش قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق السراج، (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حبان قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال: حدّثنا سُويد بن سعيد قال حدّثنا حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعبا حلف له بالذي فلق البحر لموسى: أن صُهيْبا حدّثه «أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: اللهمّ ربّ السموات السبع وما أظْللن وربّ الأرضِين السبع وما أقْللن وربّ الشياطين وما أضْللن ورب الرياح وما أذْريْن إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» قال أبو نعيم: هذا حديث ثابت من حديث موسى بن عقبة تفرّد به عن عطاء.
روى عنه ابن أبي الزناد وغيرُه.
وفي صحيح مسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «من أخذ شِبرا من الأرض ظلما فإنه يُطوّقه يوم القيامة من سبع أرضِين» ومثله حديث عائشة، وأبين منهما حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأخذ أحدٌ شبرا من الأرض بغير حقّه إلا طوّقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة» قال الماوردِيّ: وعلى أنها سبع أرضين بعضها فوق بعض تختص دعوة أهل الإسلام بأهل الأرض العليا، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق مميّز.
وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان: أحدهما أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها.
وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة.
والقول الثاني أنهم لا يشاهدون السماء، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يستمدّونه.
وهذا قول من جعل الأرض كالكُرة.
وفي الآية قول ثالث حكاه الكلْبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين منبسطة؛ ليس بعضها فوق بعض، تفرّق بينها البحار وتُظِلّ جميعهم السماءُ.
فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة الإسلام بأهل هذه الأرض، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى أحتمل أن تلزمهم دعوة الإسلام عند إمكان الوصول إليهم؛ لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عمّ حكمه، واحتمل ألا تلزمهم دعوة الإسلام لأنها لو لزمتهم لكان النص بها واردا، ولكان صلى الله عليه وسلم بها مأمورا.
والله أعلم ما استأثر بعلمه، وصواب ما اشتبه على خلقه.
ثم قال: {يتنزّلُ الأمر بيْنهُنّ} قال مجاهد: يتنزل الأمر من السموات السبع إلى الأرضين السبع.
وقال الحسن: بين كل سماءين أرضٌ وأمر.
والأمر هنا الوحي؛ في قول مقاتل وغيره.
وعليه فيكون قوله: {بيْنهُنّ} إشارة إلى بين هذه الأرض العليا التي هي أدناها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها.
وقيل: الأمر القضاء والقدر.
وهو قول الأكثرين.
فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: {بيْنهُنّ} إشارة إلى ما بين الأرض السُّفْلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها.
وقيل: {يتنزّلُ الأمر بيْنهُنّ} بحياة بعض وموت بعض وغِنى قومٍ وفقر قوم.
وقيل: هو ما يُدبّر فيهنّ من عجيب تدبيره؛ فينزل المطر ويُخرج النبات ويأتي بالليل والنهار، والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها؛ فينقلهم من حال إلى حال.
قال ابن كيْسان: وهذا على مجال اللغة واتساعها؛ كما يقال للموت: أمْرُ الله؛ وللريح والسحاب ونحوها.
{لتعلموا أنّ الله على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ} يعني أن من قدر على هذا الملك العظيم فهو على ما بينهما من خلقه أقدر، ومن العفو والانتقام أمكن؛ وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومُكْنته.
{وأنّ الله قدْ أحاط بِكُلِّ شيْءٍ عِلْما} فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته.
ونصب {عِلْما} على المصدر المؤكد؛ لأن {أحاط} بمعنى علم.
وقيل: بمعنى وأن الله أحاط إحاطة عِلْما.
ختمت السورة بحمد الله وعونه. اهـ.